محمد سعيد رمضان البوطي
176
فقه السيرة ( البوطي )
الذي تجلى في موقف أبي جهل حينما قال : لن نرجع عن بدر أبدا حتى ننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان ، وتسمع بنا العرب وبمسيرتنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا ، وتأمل في نتائج ذلك التجبر والجبروت ! . . لقد كانت نتيجة العبودية والخضوع للّه تعالى ، عزة قعساء ومجدا شامخا خضع لهما جبين الدنيا بأسرها ، ولقد كانت نتيجة الطغيان والجبروت الزائفين قبرا من الضيعة والهوان أقيم لأربابهما حيث كانوا سيتساقون فيه الخمر وتعزف عليهم القيان ، وتلك هي سنة اللّه في الكون كلما تلاقت عبودية للّه خالصة مع جبروت وطغيان زائفين . 7 - ( الإمداد بالملائكة في غزوة بدر ) : انطوت بدر على معجزة من أعظم معجزات التأييد والنصر للمسلمين الصادقين ، فقد أمدّ اللّه المسلمين فيها بملائكة يقاتلون معهم ، وهذه حقيقة ثبتت بدلالة صريحة من الكتاب والسنة الصحيحة ، روى ابن هشام أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم خفق خفقة في العريش ثم انتبه فقال : « أبشر يا أبا بكر ، أتاك نصر اللّه هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على النقع » ورواه البخاري أيضا بلفظ قريب منه « 1 » . ومن أوضع الأدلة القاطعة على أن التعبير بالملائكة في بيان اللّه عز وجل ليس المقصود به ما يتوهمه بعضهم من المدد الروحي أو القوة المعنوية أو نحو ذلك - أقول من أوضح الأدلة القاطعة على بطلان هذا الوهم ، ضبط البيان الإلهي الملائكة بعدد محدود وهو الألف ، في قوله عز وجل : فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [ الأنفال : 9 ] إذ العدد من مستلزمات الكم المنفصل في الأشياء ، ولا يكون ذلك إلّا في الأشياء المادية المحسوسة . من هنا نعلم أن تقييد البيان الإلهي الملائكة بعدد معين ينطوي على حكم باهرة من أجلها قطع السبيل على من يريد أن يتناول الآية ، ويفسر الملائكة بالمعنى الذي يروق له وهو مجرد الدعم المعنوي . ثم إن نزول الملائكة للقتال مع المسلمين - إنما هو مجرد تطمين لقلوبهم ، واستجابة حسية لشدة استغاثتهم اقتضاها أنهم يقفون مع أول تجربة قتال في سبيل اللّه ، لأناس يبلغون ثلاثة أضعافهم في العدة والعدد . وإلا فإن النصر من عند اللّه وحده ، وليس للملائكة أي تأثير ذاتي في ذلك ، ومن أجل بيان هذه الحقيقة قال اللّه تعالى معللا نزول
--> ( 1 ) ولفظه في البخاري ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « هذا جبريل آخذ بزمام فرسه عليه أداة الحرب » ، راجع صحيح البخاري 5 / 14 .